السيد الطباطبائي
196
تفسير الميزان
على حدوثها وعلى توحيد الله سبحانه ، وبعبارة أخرى : المعنى أنى لا أخافها في حال من الحالات إلا أن يشاء ربى ان تحيا هؤلاء الشركاء فتضر وتنفع فأخافها وإذ ذاك كانت الربوبية لله وتبين حدوث شركائكم . وهذا الوجه وإن كان قريبا مما قدمناه بوجه لكن نسبة النفع والضر إلى الشركاء لو كانت أحياء - مع أن بعضها احياء عندهم كالملائكة وأرباب الأنواع وبعضها يضر وينفع بحسب ظاهر النسبة كالشمس - تخالف التعليم الإلهي في كتابه فإن القرآن يصرح أن لا يملك نفعا ولا ضررا إلا الله سبحانه . وكذلك ما ذكر من دلالة ذلك على حدوث شركائهم أمر لا يضر أهل الأوثان فإنهم كما عرفت لا ينكرون كون الأصنام ولا أربابها معلولة لله مخلوقة له ، والقول بالقدم الزماني في بعضها لا ينافي إمكانها ولا معلوليتها عندهم . وقيل : إن معنى الاستثناء انى لا أخاف شركاءكم واستثنى من عموم الخوف في الأوقات أن يشاء ربى ان يعذبني ببعض ذنوبي أو يصيبني بمكروه ابتداء ، وبعبارة أخرى الجملة استثناء من معنى أعم مما يدل عليه الجملة السابقة فقد دل قوله : ( ولا أخاف ) الخ ، على نفى الخوف من شركائهم ، وقوله : ( إلا أن يشاء ) الخ ، استثناء من كل خوف فالتقدير : لا أخاف ما تشركون به ولا شيئا آخر إلا من أن يشاء ربى شيئا أكرهه ابتداء أو جزاء فإني أخافه ، ووجه التعسف في هذا المعنى لا يحتاج إلى بيان . وأما قوله : ( وسع ربى كل شئ علما ) فقد قيل . إنه ثناء منه عليه السلام لربه بعد إتمام الحجة . وقيل : إنه تعريض بأصنامهم حيث إنها لا تعلم شيئا ولا تشعر ، ويرد عليه أن التعريض بمثل القدرة أقرب إلى اقتضاء المقام من التعريض بالعلم فما وجه العدول عن القدرة إلى ؟ العلم والاشكال جار في الوجه السابق . وقيل : إنه لما استثنى ما يشاؤه ربه مما يقع عليه من المكاره بين بقوله : ( وسع ربى كل شئ علما ) أنه تعالى علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة . وفيه أن الأنسب حينئذ أن يذكر الحكمة مكان العلم ولا أقل من أن يذكر الحكمة مع العلم كما في أغلب الموارد .